بقلم محمد الساحلي
تُعّرف الريادة بأنها عملية إنشاء أعمال جديدة أو تطوير أعمال قائمة مع خلق فرص جديدة ذات قيمة تجارية. والريادي هو الشخص الذي لديه القدرة على تحويل الابتكارات والأفكار الجديدة إلى أعمال ناجحة مربحة اقتصاديا، ويملك الجرأة الكافية للمخاطرة بتطبيق الفكرة وإعطائها ما يلزم من وقت وجهد ومال.
المخاطرة، أو المجازفة، جزء من الريادة، وكما يقال، كلما ارتفعت المخاطر زادت الأرباح. لكن للمجازفة حدود، فالفرق شاسع بين القفز من علو عشرة أمتار إلى البحر وبين القفز من نفس العلو نحو أرضية صخرية صلبة!
عربيا تعتمد الريادة على النوع الثاني من المخاطرة، بلمسة من الجنون: القفز من السماء دون مظلة هبوط. فالمخاطر شديدة والصعوبات لا أول لها ولا آخر: غياب البنية التحتية اللازمة، تعقيد إجراءات تأسيس الشركات، المبالغة في الضرائب… والأهم غياب التمويل والتراكم المعرفي.
إعادة اختراع العجلة
إعادة اختراع العجلة هو موقف اضطراري يجد كل ريادي شاب نفسه مجبرا على خوضه، والسبب هو غياب التراكم المعرفي. إذ باستثناء المتطلبات ذات الطبيعة البرمجية بالنسبة لمشاريع الإنترنت، المتوفرة في كثير من الكتب، لا يجد صاحب المشروع ما يحتاج إليه من معلومات/خبرات لتجاوز الكثير من العقبات وحل بعض المشاكل.
يمكن دائما الاستعانة بالخبرات الاحترافية، المكلفة ماديا. لكننا هنا نتحدث عن المشاريع الناشئة ذات الموارد المحدودة جدا. مما يعني أن فريق العمل، الصغير، عليه القيام بكل شيء بنفسه.
تبدأ المشكلة منذ البداية. فعند التأسيس يصطدم الريادي بعدد من الإجراءات البيروقراطية ويجد نفسه أسير إجراءات مجهولة لا يعرف لها رأسا من قدم، وهو ما يتطلب منه الكثير من الوقت والمال لإكمال معاملات كان بالإمكان إكمالها بسهولة تامة لو أن من سبق له تأسيس شركة كتب عن تجربته وشارك خبراته ومعرفته.
لاحقا سوف يتوسع المشروع وسيجد الريادي نفسه في ورطة أنه لم يكن مستعدا لهذا التوسع السريع. سوف يبحث كثيرا قبل أن يجد حلا مناسبا. سيبذل كثيرا من الجهد الذي كان بإمكانه بذله لحل مشاكل أخرى لم يصادفها أحد من قبل. فقط لو أن من مر بنفس مشكلته من قبل، تحدث وكتب.
ثمة الكثير والكثير من مثل هذه المواقف. مع ملاحظة أنني لا أتحدث هنا عن الأبجديات التي يفترض أن يكتسبها كل شخص بنفسه، بالطريق الأصعب: التجربة والخطأ، حتى يقوى عوده.
عند البحث بالانجليزية سوف نجد الكثير من المدونات والكتب، يتحدث فيها أصحاب شركات غربية، صغيرة وكبيرة، عن خبراتهم ويكتبون بتفاصيل مدهشة عن حلول خاصة بهم ابتكروها لحل مشاكل كبيرة بأقل جهد ممكن وأقل تكلفة. هذا التراكم المعرفي يعني أن كل صاحب مشروع جديد لن يضيع الوقت في حل مشاكل حلها آخرون، بل سيستغل ذلك الوقت في إبداع أعمال أخرى والمساهمة أيضا في تحقيق التراكم المعرفي.
عربيا لا توجد للأسف شركة عربية تشارك خبراتها ومعارفها مع الرواد الشباب. بعيدا عن الأمور المالية التي يمكن تفهم التكتم حولها، فإن التكتم على الخبرات والمعرفة لا يعني سوى: الخوف من المنافسة!
التمويل وقصة البيضة والدجاجة
في أمريكا يمكن تأسيس شركة ناشئة فقط بالبطاقات الائتمانية. نعم لذلك سلبيات على الاقتصاد تؤدي حين تتراكم إلى مثل ما حصل منذ عام من أزمة الائتمان في أمريكا. لكن لذلك إيجابيات أيضًا. وعموما في أمريكا ثمة تسهيلات مالية كبيرة من البنوك فيما يخص القروض، والشاب الأمريكي يتعلم منذ الصغر كيف يعتمد على نفسه، ونظامهم التعليمي يدفع للمبادرة ويحفز على الابتكار، ودائما ثمة إمكانيات للاعتماد فقط على ”التمويل الذاتي“.
أما عربيا ولأسباب هيكلية مرتبطة ببناء الأسرة العربية والنظام التعليمي القاتل للإبداع، تغيب إمكانيات ”التمويل الذاتي“ وينعدم تشجيع الأسر لأبنائها على تنفيذ المشاريع التجارية.
بانعدام إمكانيات ”التمويل الذاتي“ القائم على الأصدقاء والأسرة تقل المبادرة وتزداد الحاجة إلى مؤسسات التمويل. لكن المشكلة التي يصادفها الريادي عند البحث عن تمويل هي أن نسبة المخاطرة عند مؤسسات التمويل العربية ضئيلة جدا، وهي لذلك لا تقبل غالبا تمويل أصحاب ”المشروع الأول“ ونقع بالتالي في فخ البيضة والدجاجة: للحصول على تمويل لمشروع لا بد أن تنفذ مشروعا أولا وينجح. فكيف ستنفذ المشروع الأول وينجح دون تمويل كاف؟
البحث عن حاضنة أعمال
التمويل أمر ضروري للشركات الناشئة. فالريادي سيحتاج إلى تغطية المصاريف التشغيلية وإلى استقطاب كفاءات للاشتغال في مشروعه. والمعرفة، الناتجة عن التراكم، ضرورية للتقليص من المصاريف التشغيلية ووقت التنفيذ.
في الأسواق الناشئة مثل الأسواق العربية تصبح الحاجة إلى حاضنات أعمال مسألة ملحة. فهي لطبيعتها الهيكلية قادرة على توفير المعرفة والدعم المالي مع التقليص من المصاريف التشغيلية.
أشكال حاضنات الأعمال متعددة، منها الهيكل التقليدي الذي يساعد الريادي في مسائل إنشاء الشركة القانونية ويوفر له مكتبا مجهزا للشركة مع تمويل صغير للبدء. ومنها ما يشبه مدرسة الأعمال مثل نموذج Y Combinator الأمريكي الذي بدأت حاضنات أخرى عالمية تستنسخه.
Y Combinator هي مؤسسة تمويلية موجهة لتمويل مشاريع خدمات ويب في أمريكا، في مرحلة التأسيس. نظام تمويل المشاريع يساهم في رفع التنافسية، فالمؤسسة تستقبل مرتين في السنة طلبات التمويل، وتختار من بينها الفرق ذات الأفكار الأكثر إبداعا، لتقدم لها تمويلا ماليا ما بين 15 ألف دولار و25 ألف دولار، مقابل تملك نسبة من الشركة الوليدة تترواح بين 2% و10%.
إضافة للدعم المالي تقدم هذه الحاضنة دورات تدريبية للمشاركين وتأخذ بأيديهم نحو النجاح، حتى أصبح بالإمكان اعتبارها جامعة لتخريج حاملي المشاريع والريادين تتجاوز أهميتها كليات إدارة الأعمال.
خاتمة
بناء حاضنات أعمال، أو مؤسسات تمويل مثل Y Combinator، لا يكلف كثيرا، لكن تأثيراتها الإيجابية على رواد الأعمال الشباب، كبيرة جدا.
حجم التمويلات وطبيعة العمل للإشراف على هذه الحاضنات تجعل تنفيذ الفكرة سهلا. يمكن لتجمع من رجال الأعمال خلق الكثير من هذه الحاضنات. الحكومات العربية نفسها يمكنها ذلك بسهولة، وحتى الشركات التجارية الكبرى يمكنها المساهمة في دعم الرواد العرب. فهل من مبادر بالبداية؟
محمد الساحلي